حـسـن حـيـدر - الأخـبـار
تبدو منطقة الخليج، في أي مواجهة بحرية محتملة بين طهران وواشنطن، بمنزلة بيئة «خنق عسكري»
يراد منها - من جانب إيران - إجبار الخصم على القتال ضمن شروط غير مريحة وهوامش حركة محسوبة سلفاً.
والفرضية الإيرانية هنا لا تقوم على مواجهة بحرية متكافئة، بل على إدخال القوة البحرية الأميركية تدريجياً في سلسلة تهديدات مترابطة تُعرف عسكرياً بـ«سلسلة القتل»
حيث تتكامل أدوات التعطيل والإنهاك والضرب الدقيق، وتعمل على مراكمة الضغط على مستويات متعدّدة.
وانطلاقاً من طبيعة الأسلحة الإيرانية المخصّصة للعمليات البحرية...
يمكن التوقّع أنه مع أولى إشارات التصعيد، ستتحرّك وحدات بحرية صغيرة لزرع ألغام قاعية ومغناطيسية وصوتية في مضيق هرمز
ثمّ يليها انتشار سريع لغواصات صغيرة من طراز «غدير» وزوارق خفيفة في مساحات يصعب مراقبتها بالكامل.
والهدف هنا فرض إيقاع بطيء على الحركة البحرية في بيئة يتراوح عمقها بين 30 و60 متراً، حيث يتحوّل أي تباطؤ إلى ما يشبه الهدف الثابت.
ومع انشغال السفن بعمليات الكشف والتطهير، تنتقل القوات المهاجمة إلى إنهاك الدفاع القريب من القطع الرئيسة...
وعلى رأسها حاملات الطائرات, وذلك عبر موجات «الإغراق» أو تكتيك «الأسراب».
إذ يُفترض أن تقترب مئات من الزوارق السريعة من طرازَي «عاشوراء» و«يا مهدي» من محاور متعدّدة بسرعات...
قد تصل إلى 150–165 كلم/س، مطلقةً صواريخ قصيرة المدى وطوربيدات على دفعات متزامنة
إضافة إلى صواريخ كروز، هدفها استنزاف منظومات الدفاع القريبة وتشتيت الرادارات بعدد كبير من الأهداف في وقت واحد.
ومن شأن هذا الضغط التراكمي أن يخلق بيئة ارتباك عملياتي، ويستهلك الذخائر الاعتراضية، ويمهّد الطريق لمرحلة أثقل من الاشتباك.
وعند انكشاف مواقع القطع الرئيسة تحت الضغط المتصاعد، تدخل الصواريخ الباليستية المضادة للسفن إلى الميدان.
وتشمل المنظومات المطروحة هنا «خليج فارس» و«هرمز 1» و«هرمز 2»، التي تُطلق من عمق بري يمنحها هامش أمان نسبي...
بمديات قد تصل إلى 700 كلم وسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت.
ولرفع احتمالية الإصابة ضدّ هدف متحرك، تُستخدم نسخ مزودة بباحثات بصرية وحرارية من مثل «ذو الفقار» و«بصير» و«فاتح مبين» و«قاسم بصير»، بمديات قد تبلغ 1200 كيلومتر.
وتتيح هذه الباحثات تعديل المسار في المرحلة النهائية، وتقليل الاعتماد على إشارات الأقمار الصناعية في بيئة قد تشهد تشويشاً كثيفاً.
غير أن نجاحها يبقى مشروطاً بدقة الإحداثيات الأولية وتحديثها المستمر
إذ إن حاملة طائرات تتحرّك بسرعة تفوق 30 عقدة بحرية (نحو 55 كلم/س)
ويمكن أن تغيّر موقعها عدة كيلومترات خلال دقائق، ما يجعل عامل الزمن حاسماً.
وفي ذروة التصعيد، يدخل عامل الوقت كسلاح مستقلّ عبر الصاروخ الفرط صوتي «فتاح»...
الذي تتجاوز سرعته خمسة «ماخ» مع قدرة على المناورة أثناء الطيران.
وفي هذه المرحلة، تتقلّص نافذة الإنذار إلى حدّها الأدنى، وتتعقّد حسابات الاعتراض بسبب المسار المتغيّر
إذ يمتلك الصاروخ قدرة على تلقي تحديثات من شبكة الرصد والاتصال لتصحيح مساره نحو الهدف.
وبالتوازي مع المسار الباليستي والفرط صوتي، تتحرّك موجات من صواريخ كروز منخفضة التحليق مثل «قادر» و«قدير» و«أبو مهدي»...
على ارتفاع يتراوح بين 5 و10 أمتار فوق سطح البحر، ما يبقيها خارج رصد الرادار حتى اللحظات الأخيرة.
وتَسبق ضربات الكروز عادةً موجات من المسيّرات لتشتيت الانتباه واستنزاف صواريخ الاعتراض
بما يسمح لصواريخ الكروز باستهداف بدن السفينة أو نقاط حساسة في بنيتها الفوقية
وذلك بالاستفادة من أيّ ثغرة يحدثها الضغط الجوي والبحري المتزامن.
إضافة إلى ما تقدّم، اختبرت إيران قبل أيام، في سياق المناورات المتعدّدة استعداداً لسيناريو الحرب، الصاروخ الدفاعي البحري «صياد 3-G»
الذي يبلغ مداه 150 كيلومتراً، وذلك للمرة الأولى من على متن سفينة «صياد شيرازي».
وجاء هذا الاختبار خلال مناورات «التحكم الذكي» التي أجرتها القوة البحرية التابعة للحرس الثوري في مضيق هرمز.
كل تلك الطبقات الهجومية لا تعمل بمعزل بعضها عن بعض، بل ضمن تكامل دقيق تتمثّل ذروته باستهداف «مركز الثقل»، أي حاملة الطائرات.
فقد تؤدي ضربة صاروخية عمودية عالية الطاقة إلى إجبار طاقم الحاملة على تركيز موارد الاعتراض في اتجاه محدّد
بينما تقترب صواريخ منخفضة التحليق من اتجاهات أخرى في توقيت متزامن، ما يرفع احتمالات الإصابة المباشرة.
وحتى من دون إغراق كامل، فإن أضراراً جسيمة في سطح الطيران أو أنظمة الدفع قد تُخرج الحاملة مؤقتاً من الخدمة...
في ما يمثّل هدفاً عملياتياً بحدّ ذاته يعيد رسم ميزان القوة في مسرح ضيق وحساس.
ومن هنا، يظهر سيناريو «مصيدة الخليج» كتكتيك متكامل لا يعتمد على التفوق العددي في السفن، بل على تعقيد البيئة وتراكم الضغط وإدارة زمن الاشتباك بدقة.
وبذلك، يصبح قرار الاشتباك البحري عالي الكلفة منذ اللحظة الأولى
خصوصاً في ظلّ قابلية القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة للتعرّض إلى ضغط الصواريخ الإيرانية.